معيار الذهب، بريتون وودز والدولار الأمريكي.......

الجزء ٣ : ١٥

في العام 1861 علقت الولايات المتحدة قابلية تحويل الدولار إلى ذهب حين كانت تكاليف الحرب الأهلية تلتهم مخزون الذهب الفدرالي). وأصدر الاتحاد Union بدلا من الدولار القابل للتحويل عملة ورقية اشتهرت باسم الورقة الخضراء Greenback.

ولكن في العام 1875، حينما كان معيار الذهب يوطد أركانه، أعادت الولايات المتحدة العمل بقابلية الدولار للتحويل، وضربت موعدا في العام 1879 لدخول ذلك حيز التطبيق. ومع ذلك، ومع اقتراب ذلك الموعد كان العجز التجاري مع أوروبا يعني أن أمريكا تواجه احتمالات تدفق الذهب سريعا إلى الخارج. وأنقذت الخزانة في اللحظة الأخيرة بسبب كارثة ألمت بأوروبا: إذ قضى صقيع أواخر الربيع على المحاصيل الزراعية في فرنسا وبريطانيا.

وبذلك انقلبت موازين الأمور. لقد أدى ارتفاع تكلفة القمح في أوروبا، ووفرة المحصول في أمريكا إلى تدفق الذهب من أوروبا إلى الولايات المتحدة لشراء الغذاء اللازم *). وبذلك بدأت فترة رواج في الصادرات الزراعية الأمريكية امتدت ثلاث سنوات، مما أدى إلى تعاظم احتياطي الذهب بشكل كبير. وواصل معيار الذهب أداء دوره في نشر البؤس والشقاء بلا هوادة. وكادت ردة الفعل اللاحقة على الصعيد المالي الدولي (40)تدمر أمريكا.

في العام 1890 هزت أزمة مصرفية عصفت بالأرجنتين الثقة الأوروبية بالمشروعات عبر البحار (41). وبدأ المستثمرون بيع الدين الأمريكي، فبادلوا دولاراتهم بالذهب. وبذلك تدفق الذهب في الاتجاه المعاكس، من خزائن الحكومة إلى السفن عبر المحيط إلى باريس ولندن وبرلين. وبحلول العام 1892 كان احتياطي الذهب الأمريكي قد انخفض إلى 114 مليون دولار، وقارب مستوى خطيرا جدا عند 100 مليون دولار، وهو المستوى الذي اعتبرته الخزانة حدا أدنى لاحتياطي الذهب، ومرة أخرى اتخذت الولايات المتحدة أكثر الإجراءات المتاحة صرامة: أوقفت الدفع بالذهب.

وأظهرت حالة الاضطراب التي أعقبت ذلك مدى تطرف ذلك الإجراء وعدم نجاعتها. وقد استنتج عامة الناس أن النظام المصرفي كان في حالة احتضار، وأدى ذلك إلى نزف الودائع من المصارف. واتسع العجز التجاري مع أوروبا إلى فجوة مخيفة قدرها 447 مليون دولار، وارتفع سعر الفائدة للإيداعات قصيرة الأجل في نيويورك إلى 74 في المائة، وانهارت سوق الأسهم، كما أفلست أربعة من خطوط السكك الحديد، ومعها 500 مصرف أيضا. وتعثرت آلاف مشروعات الأعمال.

وفي خضم هذه العاصفة الكارثية كانت الولايات المتحدة تواجه خطر الزوال. كان لدى الحكومة 40 مليون دولار هي كل ما بقي من احتياطي الذهب النقدي، وكان مخزون الذهب يتراجع بمعدل مليوني دولار يوميا، وقد جزم مجتمع المال بأن الخزانة على وشك الافلاس. وفي آخر يوم من يناير 1895، ربضت 9 ملايين دولار من سبائك الذهب - ما يعادل نصف الاحتياطي - على السفن الراسية في مرفأ نيويورك والمتوجهة إلى أوروبا،

وفي آخر لحظة، وعند شفير الهاوية، أنقذ البلد من الإفلاس على يد رجل كان الناس ينحون باللائمة عليه لما وقع من أحداث، وكان هذا الرجل أعظم النبلاء قاطبة، الأمير الأمريكي ورجل المال جيه بييربون مورجان J. Pierpont Morgan. كان الأمريكيون يعتبرون آل مورجان من أهل الثراء الدائم". ذلك أنهم لم يشقوا طريقهم من درك الفقر، بل كانوا يزدادون ثراء، وكانت نقطة البداية وصول سفينة ماي فلور Mayflower في بليموث، حينما اشتری مایلز مورجان Miles Morgan مزرعة في سبرينجفيلد بماساتشوستس، وشرع على حد وصف مؤرخ العائلة «في تفريخ أجيال من آل مورجان مالكي الأراضي".

وانتقل والد مورجان، واسمه جونیوس Junius، إلى بوسطن في العام 1851 لتوسيع أعماله لتشمل الصيرفة التجارية. وسجل ابنه في المدرسة الثانوية الإنجليزية، ونصحه باتخاذ أصدقاء من بين الذين بدت عليهم «السيماء الصحيحة»..

Preparation: Tarek Mohsen Zakaria

Source - Gold: The race for the world's most seductive metal - by Matthew Hart