معيار الذهب، بريتون وودز والدولار الامريكي

الجزء ٤ : ١٥

تنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار.......

في عام 1960، وقف الاقتصادي الأميركي من أصل بلجيكي روبرت تريفين أمام الكونغرس ليدلي بشهادته، ولم يتردد للحظة في توجيه النقد اللاذع لنظام «برايتون وودز» الذي قال إنه حُكم عليه بالفشل لأنه لن يحقق التوازن المطلوب لضمان استقرار الاقتصادين المحلي والعالمي.

كلمات تريفين الذي هاجم «برايتون وودز» مراراً وتكراراً، كانت بمثابة إعلان ميلاد مفهوم اقتصادي جديد هو «معضلة تريفين» أو «مفارقة تريفين» والتي تشير إلى قدر كبير من التعقيد في جهود إدارة عملة الاحتياط العالمية.
يعتقد الكثيرون أن تحكّم الولايات المتحدة في عملة الاحتياط الأولى عالمياً يمنحها نفوذاً كبيراً، ربما بطريقة غير عادلة للأطراف الأخرى، ولعل ذلك ما يدفع العالم للهرولة بحثاً عن تنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار والاعتماد على عملات أخرى مثل اليورو واليوان، وحتى خلق أنظمة مالية مستقلة.

قد يكون الاعتماد على عملة واحدة في بناء الاحتياطيات أمراً سيئاً، وقد يكون التفكير في اليوان كبديل مستقبلي للدولار من باب الحكمة، وربما تسيئ الولايات المتحدة بالفعل استخدام نفوذها في النظام المالي العالمي، لكن في الحقيقة، امتلاك العملة الأكثر أهمية على مستوى العالم لا يأتي مجاناً.
تكلفة امتلاك عملة الاحتياط العالمية كبيرة، وتتبعها عواقب خطيرة، وهو بالضبط ما أمضى تريفين عمره يحذر منه، وكان الوقت وحده كفيلاً بإثبات صحة مخاوف الاقتصادي الذي ظلت أفكاره نابضة بالحياة بعد ربع القرن على وفاته.
ورأى تريفين أن توقف الولايات المتحدة عن تسجيل عجز بميزان المدفوعات، يعني خسارة المجتمع الدولي أكبر مصدر لتدفق الاحتياطيات النقدية، ومع نقص السيولة سيُدفع بالاقتصاد العالمي إلى دوامة انكماشية وسلسلة من الاضطرابات وعدم الاستقرار.

في المقابل، فإن استمرار العجز في الولايات المتحدة، يضمن تواصل تدفق الدولارات إلى النظام العالمي ودفع النمو، ومع ذلك، فإن العجز المفرط في البلاد (يطلق عليه تخمة الدولار) من شأنه أن يؤدي إلى تآكل الثقة في قيمة الدولار.
وغياب الثقة في الدولار، تعني عدم قبولها كعملة احتياط عالمية، ومعها قد ينهار نظام سعر الصرف الثابت، ما يؤدي إلى عدم استقرار واسع النطاق، لذا كان يرى تريفين أن «برايتون وودز» سيفشل لعدم قدرته على التوفيق بين ميزان المدفوعات الأميركي، وخلق سيولة دولية كافية لتطوير التجارة والاقتصاد العالميَين.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتحديداً خلال خمسينيات القرن الماضي، كان يعني تفاقم عجز ميزان المدفوعات الأميركي أن العالم مزود بسيولة كبيرة، ما تسبب في زيادة الاحتياطيات الدولارية بشكل هائل لدى البنوك المركزية، في أوروبا، واليابان تحديداً.
ونظراً لأن الولايات المتحدة تعهدت بموجب نظام «برايتون وودز» بتحويل الدولارات إلى ذهب، ومع طلب البنوك المركزية استرداد السبائك مقابل الدولار، انخفضت احتياطيات المعدن النفيس لدى أميركا إلى مستويات خطيرة (على حد وصف موقع صندوق النقد الدولي).
وقد صدقت نبوءة تريفين، إذ إنه ومع استمرار بناء الاحتياطيات لدى البنوك المركزية، تجاوزت الدولارات التي تمتلكها حجم الاحتياطيات الذهبية لدى الولايات المتحدة، وعند هذه النقطة بدأ تآكل الثقة في الاعتقاد بأن العملة الأميركية ستظل قابلة للتحويل إلى ذهب بسعر 35 دولاراً للأونصة.

وتوقع تريفين انهيار النظام لعدم قدرته على ضمان بقاء السيولة الدولارية والثقة العالمية، لكن تحذيرات الاقتصادي المحنك الذي شغل مناصب عريقة عدة في ذلك الوقت منها منصب المستشار الاقتصادي للإدارة الأميركية، ضُرب بها عرض الحائط.

واقترح إنشاء وحدات احتياطات جديدة لا تعتمد على الذهب أو العملات، لكنها ستزيد إجمالي السيولة العالمية، وقال إن وجود مثل هذه الأدوات يسمح للولايات المتحدة بتخفيض العجز في ميزان المدفوعات مع السماح للاقتصاد العالمي بالنمو.
ومنذ فترة طويلة تأخرت عملية الإصلاح الأساسية للنظام النقدي الدولي، لقد أصبح اليوم أكثر وضوحاً من حيث الضرورة الملحة بسبب التهديد الوشيك للدولار القوي، كان ذلك جزءاً من كلمات ألقاها تريفين في نوفمبر عام 1960.
ومع ذلك، فإن مقترحاته قوبلت بالتجاهل حتى عام 1971، عندما أصبحت فرضيته حقيقة واقعة، ما أجبر الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون على عدم السماح بتحويل الدولار إلى ذهب بعد ذلك الوقت، فيما عرف باسم «صدمة نيكسون» والتي سقط معها نظام «برايتون وودز» فعلياً.